امرأة بحجم مدينة: حين تكشف الأحياء وجوهها
رواية امرأة بحجم مدينة

امرأة بحجم مدينة

امرأة بحجم مدينة

امرأة بحجم مدينة: حين تكشف الأحياء وجوهها

لم ألمس يدها أولًا… لمستُ شوارعها.

دخلتُ المدينة… وكانت هي. لم تكن هناك بوابة تُعلن وصولي، ولا لافتة تقول: «هنا تبدأ الحكاية». البداية جاءت في أنفي قبل عينيّ: رائحة مطرٍ حديث يلتصق بالحجر، وعطرٍ خفيف يمرّ سريعًا ثم يعود، كأنه يتردد بين الاعتراف والإنكار. كان الضوء على الأرصفة ناعمًا، يتحرك ككفٍّ تلامس ولا تُمسك، والهواء قريبًا من وجهي على نحوٍ أربكني، كأنه يعرف اسمي قبل أن أنطقه.

لمحتُها لأول مرة من دون أن أراها مباشرة؛ رأيت أثرها. نافذة تُغلق برفق بعد ضحكة مكتومة، شرفة تُسدل ستارتها كأنها تستر سرًّا صغيرًا، وخطوة بعيدة تُحدث صدى منضبطًا لا يشبه خطى النساء اللواتي أعرفهن، بل يشبه فكرة واثقة. أردتُ أن أقول: «أنا هنا»، لكنني خفتُ أن تُفسد الكلمات البداية. اكتفيتُ أن أمشي وأن أستمع.

في أول مفترقٍ بدا الطريقان متناقضين: شارعٌ أملس يلمع كمرآةٍ نظيفة، وآخر داكن لا يتزيّن لكنه يملك صدقًا فادحًا. توقفتُ لحظة، ثم خرجت من فمي جملة قصيرة كأنها تعويذةُ دخول: كلُّ طريقٍ يؤدّي إليها.

⋆⋆⋆

في هذه المدينة لا تُشرح القوانين؛ تُعاش. فهمتُ ذلك بسرعة. كان كل انتقال بين شارعٍ وشارع كأنه انتقال بين وجهٍ ووجه في المرأة نفسها: الضوء يتغير، الروائح تتبدّل، الأصوات تخفت أو تعلو، والهواء يقرر إن كان سيقترب منك أو يبتعد. لم أشعر أنني أتنقل في مكانٍ بقدر ما أتنقل في داخلها؛ في طبقات نفس لا تُختصر بصفة واحدة.

وهنا تبيّن «القانون» الذي يحكمها: ليست الوجوه تناقضًا يفضحها، بل أسبابًا تفسّرها. لكل وجهٍ منطق وجرح وغاية. والغاية ليست تبريرًا ولا اعتذارًا، بل محاولة للبقاء. إن حكمتَ عليها ستضيع. وإن حاولتَ امتلاكها ستغلق أبوابها بهدوء. كنتُ أظن أنني أفهم الناس بمجرد أن أسميهم، ثم أدركتُ أن التسمية قفص؛ وأن الإنسان—خصوصًا حين يكون امرأة بحجم مدينة—أوسع من أن يُحبس.

لهذا قلتُ لنفسي: لن أكون قاضيًا ولا واعظًا. سأكون شاهدًا يتعلم، يتغير قليلًا بعد كل زاوية. سأدع المشهد يسبق الرأي، وأسمح لقلبي أن يتبدّل دون أن أخجل من ذلك. كان في داخلي شيءٌ يشبه الغيرة من اتساعها، لا لأنني أريدها لي، بل لأن الاتساع يُرعب من اعتاد القوالب.

⋆⋆⋆

قادني الطريق إلى مكان يلمع من فرط الانضباط. الضوء أبيض نظيف لا يترك ظلالًا كثيفة، ورائحة صابون فاخر وماء وردٍ خفيف تتعلق بالستائر كأنها جزء من الهوية. حتى الأصوات هنا مهذبة: ضحكات قصيرة لا تتمادى، وخطوات مستقيمة، وهواتف تخفض نبرتها قبل أن تقول «ألو». كان الهواء باردًا قليلًا، كأن السكينة تُدار بميزان.

على زاوية الرصيف وقف رجل ببدلة رمادية وقبعة صغيرة، لا يحمل قسوة الحراس، لكنه يحمل دقة من يعتقد أن النظام ينقذ الجميع. نظر إليّ بنصف ابتسامة، وقال دون أن يسألني من أكون:

— الصوت… اخفض صوتك. — هل يزعجكم الصوت؟ — هنا يصل الكلام أسرع من الأقدام. — وكيف أمشي إذن؟ — امشِ كما لو أنك تحمل شيئًا هشًّا.

ثم ظهرت هي. ثوبٌ بسيط وخطوة مستقيمة كخطٍّ تحت عنوان رسمي. لم تنظر إليّ، لكنها أغلقت زرًّا صغيرًا قرب عنقها ثم تابعت. لم يكن ذلك زينة؛ كان احترازًا. في واجهة زجاجية لمحتُ انعكاسها لحظة، ثم اختفى، كأنها لا تريد أن تثبت وجودها إلا بالقدر الذي لا يوقظ الألسنة. شعرتُ أن هذا الوجه منها لا يعيش ليرضي الناس، لكنه يخافهم بما يكفي ليحترف الحذر.

بعض الاتزان ليس راحة… بل حراسةٌ طويلة على سمعةٍ هشة.

⋆⋆⋆

على بعد خطوات انقلب الضوء إلى ذهبي مائل للبرتقالي، كغروب لا يريد أن ينتهي. الهواء أثقل: عطر قوي، دخان رفيع، قهوة مُرّة، ولمحة ندمٍ لا تبكي. الموسيقى تأتي من نافذة نصف مفتوحة ثم تفرّ، كنبضٍ يخشى أن يُفتضح. الشوارع أضيق، والوجوه مباشرة، كأن الأقنعة تتعب سريعًا هنا.

عند زقاق ضيق وقفت امرأة تبيع وردًا أحمر أكثر من اللازم، أوراقه تلمع كأنها تعرف ما تفعل. أصابعها ملوّنة بالصبغة، وعيناها ثابتتان كمن رأى أسرار الناس دون أن يبتزهم. رفعت وردة نحوي قبل أن أتكلم:

— كأن الليل لا ينام هنا. — ينام… بعينٍ واحدة. — وماذا تبيعين حقًّا؟ — أبيع عذرًا لمن لا يريد أن يُرى وهو يشتاق. — وهل يكفي العذر؟ — يكفيه أن يمرّ بلا فضيحة.

مرّت هي بخطوة أجرأ، شعرها أحرر، وضحكتها أسرع. لم يكن في المشهد ابتذال؛ كان حياة تتنفس بعد ضيق. التفتت نصف التفاتة، ولم أشعر أنها تساومني، بل كأنها تقول: «أنا هنا أيضًا، لا تقل إنك لم ترني». في تلك اللحظة شعرتُ بقرب مفاجئ؛ قرب لا يأتي من لمس اليد، بل من الاعتراف بأن الرغبة جزء من الإنسان، وأن الجرأة أحيانًا ليست كسرًا، بل إنقاذ.

هنا، الجرأة ليست تحدّيًا… بل حيلة كي لا تختنق الروح.

⋆⋆⋆

بعد منعطف واحد خفتت الموسيقى وحدها، كأن أحدهم أغلقها احترامًا لما سأراه. صار الضوء أصفى يميل إلى الأزرق البارد، ورائحة الورق والحبر والرفوف الخشبية تملأ الهواء كما يملأ السؤال رأسك. المقاهي صغيرة، تخجل من الضجيج، والكلمات تُقال كاملة أو لا تُقال. حتى الكراسي تعتذر حين تتحرك.

في مكتبة عند الركن جلس شاب يقرأ بعينين مرهقتين وفضولٍ لا ينام. أصابعه تمسك الصفحة من طرفها كأنه يخاف أن تجرحه الحقيقة. رفع رأسه وقال قبل أن أسأل:

— لا تبحث عن الإجابة بسرعة. — ولماذا؟ — لأن بعض الإجابات تُفسد السؤال. — وماذا أفعل إذن؟ — اسمع… ثم اكتب… ثم مزّق… ثم اكتب أفضل.

كانت هي قرب نافذة، تكتب كلمة ثم تمسحها، تبتسم لنفسها كما لو أنها أمسكت بخيط صحيح. لم تكن تتظاهر بالذكاء؛ كانت تحاول ألا تُخدع. مرّت يدها على غلاف كتاب كما يمرّ أحدهم على جرح قديم ليتأكد أنه لم يعد ينزف. هنا أدركتُ أن وعيها ليس ترفًا، بل وسيلة دفاع: كلما فهمت، قلّت فرص أن يُستغلّ خوفها.

المعرفة لا تُجمّلك دائمًا… لكنها تمنعك من أن تُسلّم نفسك بسهولة.

⋆⋆⋆

ثم صار الهواء أخف، كأن المدينة غسلت وجهها بماء دافئ. الضوء مُفلتر ناعم يميل إلى العسل، ورائحة بخور خفيف تتسلل من الأبواب دون أن تفرض نفسها. صوت تلاوة بعيد لا يدفعك ولا يلاحقك؛ يدعوك فقط لتبطئ. الأرض نظيفة بلا لمعان مبالغ، كأنها تفضّل الصدق على الاستعراض. كان هناك سكون يشبه يدًا توضع على كتفك لا لتمنعك، بل لتخفف عنك.

على عتبة مكان بسيط جلس رجل مسن يوزّع تمرًا على المارّة. وجهه هادئ كمن رأى كثيرًا وتعلّم أن يرحم قبل أن يشرح. وضع تمرة في يدي دون سؤال، ثم نظر إليّ كأنه يقرأ اضطرابي:

— هل يجد الناس هنا راحة؟ — يجدون نافذة. — نافذة على ماذا؟ — على أنفسهم… حين يتعبون من حملها وحدهم. — وهل تُغلق النافذة؟ — تُغلق حين يخجل الإنسان من صدقه.

دخلت هي بخطوات صامتة، لا تحمل شعارًا ولا تخفي وجهًا. جلست لحظة، رفعت كفيها ثم أنزلتهما، كأنها تقول شيئًا لا يحتاج جمهورًا. لم أشعر أنها تحاول أن تبدو «أفضل»، بل أنها تحاول أن تتصالح مع نفسها دون ضجيج. كان في عينيها رجاء واضح، ليس رجاء ساذجًا، بل رجاء إنسانة تعرف أنها أخطأت وتعبت، لكنها لا تريد أن تتوقف عن المحاولة.

السكينة ليست نهاية الألم… إنها مكان تعترف فيه به دون خوف.

⋆⋆⋆

بردت الريح فجأة. الضوء أقلّ لكنه حقيقي. الروائح أوضح: خبز ساخن من فرن صغير، غبار الطرقات، وعرق يوم طويل لا يملك ترف العطر. الأصوات أعلى: أطفال يركضون بلا خطة، أوانٍ تصطدم، وضحكة قصيرة لا تعرف التمثيل. الجدران خشنة تحت اليد، لكنها ثابتة كمن تعلّم الوقوف دون سند.

على الرصيف جلس طفل يبيع مناديل، يرتّب علبه بعناية كأن ترتيبها هو الشيء الوحيد الذي يستطيع التحكم به. عيناه تلمعان على نحو يحرج العالم. سألته، فرفع كتفيه كأنه لا يملك رفاهية الدراما:

— كم بقي لك لتعود؟ — إذا باعت المدينة اليوم… أعود مبكرًا. — وإذا لم تبع؟ — أعود متأخرًا… لكني أعود. — ولماذا لا تتوقف؟ — لأن أمي تنتظر… ولا أحب أن ترى الخوف في وجهي.

مرّت هي هنا بلا زينة. تمشي بحذر من تعوّد أن يُدبّر نفسه. لا تستجدي شفقة، ولا تتبختر فوق الاحتياج. تناولت رغيفًا ساخنًا وحركته بسرعة بين يديها كي لا تحترق، ثم ضحكت ضحكة خفيفة كأنها تقول: «ما زلتُ أستطيع». في تلك الضحكة رأيت قوة صامتة لا تلمع، لكنها لا تسقط. شعرتُ أنني لو أحببتها هنا، فسأحبها على حقيقتها: امرأة تعرف كيف تنجو دون أن تُهين نفسها.

هنا، الكرامة ليست شعارًا… إنها عادة يومية تُمارسها وأنت متعب.

⋆⋆⋆

ثم اتسعت الشوارع فجأة، واتّسع معها الفراغ بين الناس. الضوء بارد لامع ينعكس على الزجاج كما لو أن النهار يتدرّب على الأناقة. رائحة جلد جديد، عطور خشبية، وزهور تُستبدل قبل أن تذبل كي لا يمر الحزن من هنا. الأصوات قليلة، السيارات تمر بلا ضجيج، والكلمات تُقال كأنها محسوبة الثمن. الأرصفة أوسع مما يلزم، كأن المكان يريد أن يضمن مسافة آمنة بين قلب وقلب.

عند بوابة حديقة خاصة وقف سائق بزي داكن يفتح باب سيارة سوداء. وجهه محايد، لكن نظراته تعرف التعب المختبئ تحت اللمعان. سألته دون تفكير:

— يبدو كل شيء كاملًا هنا. — يبدو. — وماذا لا يبدو؟ — أشياء كثيرة… أهمها الوحدة. — وكيف يهربون منها؟ — يشترون صمتًا أكثر… لكنها لا ترحل.

ظهرت هي أنيقة متحكّمة، تبتسم ببرود جميل يشبه الزجاج: يلمع لكنه لا يسمح باللمس. لم تكن متكبرة؛ كانت تحمي نفسها بمسافة. حاولتُ الاقتراب، ثم تراجعت قبل أن أُهينها بعجلة غير مناسبة. خرجت الجملة من داخلي مرة أخرى، وكأنها تذكّرني بأنني لن أصل إليها بالقوة: كلُّ طريقٍ يؤدّي إليها.

بعض اللمعان ليس فرحًا… أحيانًا هو قناعٌ أنيق لارتجافٍ عميق.

⋆⋆⋆

لم أصل إلى العمق بطريقة مفهومة. لا بوابة ولا انتقال واضح؛ فقط تغيّر الهواء وكأن المدينة نزعت عطرها فجأة وظهرت برائحتها الأولى: حليب دافئ، خشب قديم، ودفاتر مدرسية. الضوء رمادي لطيف كصباح مبكر قبل أن يقرر العالم أن يبدأ. الأصوات خافتة: صرير أرجوحة، نباح بعيد، وصرخة طفل توقفت في منتصفها كأن أحدًا وضع كفّه على فم الزمن.

كان الشارع أضيق من أن تمر فيه سيارة. على الجدار رسومات باهتة، وفي زاوية دمية قماشية بلا عين، موضوعة بعناية كما لو أن أحدًا لا يزال يأمل أن تعود العين. شعرتُ أن صدري يضيق لا خوفًا… بل احترامًا. هنا كل خطوة تحتاج إذنًا من القلب.

على درج صغير جلست امرأة عجوز تبيع حلوى رخيصة، تربّت على كيس بلاستيكي كأنه طفل. نظرت إليّ وقالت بصوت يشبه القطن لكنه ثابت:

— لا ترفع صوتك هنا. — لماذا؟ — الأماكن التي انكسر فيها أحد… لا تحب الصخب. — وهل ينكسر أحد ثم يبقى؟ — يبقى… لكنّه يتعلّم أن يكبر بسرعة.

مشيتُ خطوات، ثم رأيتها… لا كما رأيتها قبل. كانت طفلة تخرج من باب مدرسة، حقيبتها أكبر من ظهرها، وشريط أزرق يشد شعرها أكثر مما يلزم كأنه يثبت رأسها في مكانه. عينها تلمع بدمعة لم تسقط. قرب البوابة ظلّ شخص لا نرى ملامحه جيدًا، وصوت لا نسمعه لكن أثره واضح: ارتعاشة يد، وتجمّد كتفين، وانحناءة صغيرة في الرقبة، كأنها تتعلم كيف تصغر كي تمرّ بلا أذى.

لم أستطع لمس كتفها. شعرت أن هذا المكان لا يسمح باللمس إلا لمن عاش فيه. لكنها التفتت نحوي كما لو أنها تعرفني منذ زمن بعيد، وقالت بصوت لا يبكي لكنه يترك أثرًا:

— كنتُ كثيرة… لكنهم كانوا يرون واحدة. — وماذا فعلتِ حين لم يفهموكِ؟ — بنيتُ مدينة… حتى لا أضيع. — وهل تعبتِ من بنائها؟ — تعبتُ… لكنني صرتُ أوسع من خوفهم. — وماذا فعل الخوف بكِ؟ — علّمني أن أضع أبوابًا… لا لأمنع الحب، بل لأمنع الأذى.

في تلك اللحظة لمعت كل الشوارع التي مررت بها دفعة واحدة، كأنها صور قصيرة تلتصق ببعضها وتصبح فيلمًا مفهومًا. الاتزان كان درعًا ضد كلام قاسٍ. الجرأة كانت هواء حين ضاق القفص. الأسئلة كانت طريقة لتسمية الألم كي لا يبتلعها. الرجاء كان حضنًا حين تخذلها الأكتاف. الصبر كان مدرسة نجاة. المسافة كانت أمانًا حين يصبح القرب خطرًا. لم تكن تتبدّل لتخدع أحدًا؛ كانت تتبدّل لأنها تحاول أن تبقى على قيد نفسها.

نظرتُ إلى باب قديم في آخر الزقاق. كان مغلقًا، لكنه ليس مغلقًا للأبد. أردتُ أن أعدها بوعد كبير، ثم تراجعت. بعض الوعود كاذبة لأنها سهلة. بدلًا من ذلك قلتُ اللازمة ببطء، كمن يوقّع على احترام جديد: كلُّ طريقٍ يؤدّي إليها.

⋆⋆⋆

خرجتُ من ذلك العمق وأنا أشعر أنني خرجت من داخل صدري، لا من شارع. لأول مرة توقفت عن البحث عن «النسخة التي تُريحني». أدركتُ أن المدينة ليست للزيارة؛ ليست مكانًا تأتيه لتنتقي ما يعجبك ثم تغادر. كانت امرأة كاملة، والاكتمال لا يكون بلا تعقيد.

كنتُ أسمي ما أراه تناقضًا: كيف تكون هادئة ثم جريئة؟ كيف تقترب ثم تبتعد؟ كيف تلمع ثم تصمت؟ الآن رأيته واضحًا: هذه ليست تناقضات، بل محاولات للبقاء. طريقة ذكية لتوزيع الألم على مساحات متعددة كي لا يقتلها في مساحة واحدة. وفهمت أيضًا أن انجذابي لها لم يكن لجمال عابر؛ كان لذلك الاتساع الذي يربكك ثم يربّيك. كانت تشبه الحب حين يكون شجاعًا: لا يعدك بالراحة، لكنه يعدك بالصدق.

رأيتها واقفة على رصيف عادي، لا تتجمّل ولا تشكو. حين التقت عيناها بعيني لم تهرب. قالت بجملة قصيرة، كمن يختبر إن كنتُ تعلّمت:

— هل ما زلتَ تريد أن تفهمني؟ — أريد أن أتعلّم ألا أختصركِ. — لا تختصرني… ولا تخف من الاتساع.

في تلك اللحظة فهمتُ أن الاحتواء ليس امتلاكًا، وأن القرب الحقيقي لا يطلب مفاتيح المدينة بالقوة، بل يحترم أبوابها حين تُغلق. وأن الحب—إن كان حقيقيًا—يبدأ عندما تتوقف عن محاولة «إصلاح» الآخر، وتبدأ بمحاولة «فهمه» دون تعالٍ. لم أعد أفتش عن «الأجمل» فيها، بل عن «الأصدق». ولم أعد أخاف من أن تكون كثيرة؛ بدأت أخاف فقط من أن يأتي أحدهم يومًا ويحاول أن يجعلها أقل.

⋆⋆⋆

في صباح لاحق بدا كل شيء أهدأ. ليس لأن الأوجه تصالحت فجأة في لوحة وردية، بل لأن الحرب الداخلية توقفت عن صراخها. الضوء على الأرصفة كان لطيفًا، يزحف ببطء كأنه يتعلم الصبر. وجدتها عند باب خشبي قديم—ذلك الذي رأيته في الزقاق الضيق. كان بالأمس مغلقًا، واليوم نصف مفتوح. وقفتُ على العتبة ولم أدخل فورًا. تعلّمت أن الاستعجال هنا يُفسد المعنى.

قالت وهي تمسك المقبض بيد ثابتة، وفي ثباتها شيء يشبه خوفًا قديمًا من إعادة التجربة:

— لا أستطيع أن أكون وجهًا واحدًا. — ولا أريدكِ وجهًا واحدًا. — أحيانًا أخاف أن يكرهني أحدهم حين يرى جزءًا لا يعجبه. — ومن قال إن الإعجاب شرطٌ للفهم؟ — أنا تعبتُ من التبرير. — لا تبرري… فقط كوني.

فتحت الباب أكثر، لا كمن يسلم مفاتيح المدينة، بل كمن يسمح بمرور إنسان يعرف كيف يمشي دون أن يدوس شيئًا هشًّا. دخلنا خطوة. لم ندخل إلى مكان بعينه، بل إلى شارع جديد لا يحمل اسمًا بعد: شجرة، مقعد خشبي، ومقهى صغير يفتح أبوابه على رائحة خبز طازج. كانت رائحة الخبز مثل وعد بسيط: الحياة يمكن أن تكون عادية وجميلة في الوقت نفسه.

قالت وهي تنظر إلى الضوء: «ربما أنا مدينة… لأن بيتًا واحدًا لم يسعني يومًا». لم تقلها بحزن مسرحي؛ قالتها كحقيقة تشبه اسمها. قلتُ: «إذن لن أحاول أن أكون بيتك… سأكون جارًا يعرف الطريق، ويحترم الأبواب حين تُغلق». نظرت إليّ طويلًا، كأنها تتأكد أن الجملة ليست شعارًا، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة صادقة كضوء صباح.

مشينا خطوة مشتركة. خطوة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتعلن نهاية غير ساذجة: لا امتلاك، لا وعود مستحيلة، فقط تصالح واقعي يترك للنور مكانًا. كانت المدينة حولنا تهدأ، كأنها تسمع لأول مرة جملة لا تريد منها شيئًا سوى السلام. وفي داخلي لم أكرر اللازمة؛ تركتها تستقر—كخاتمةٍ تُغلق الدائرة من غير أن تُقفل الباب.

1 تعليق

  1. 。 ᵗᵒᵒᵗ

    قراءة ممتعة لزوايا النفس..أجدت رسم الحيره بين الحذر والجرأه وكأنك تصف مدناً نسكنها أو تسكننا أسلوبك في بناء (جسور) المعنى أنيق جداً، يمنح القارئ شعوراً بالأمان والسكينةدمت ملهما ودام نبض مدينتك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *